الشريف المرتضى

34

الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )

القرآن إلى فصيح كلام العرب ، إنّما هو في كلامهم قبل زمان التحدّي ، فأمّا فيما وقع منهم بعده فالأمر ظاهر ، والفرق واضح . وهذا ممّا يعلمون ضرورة خلافه ؛ لأنّنا لا نجد من الفرق بين ما نضمّه إلى القرآن من كلام العرب وأشعارها قبل التّحدّي إلّا ما نجده بينه وبين كلامهم بعد ظهور القرآن ووقوع التّحدّي به . وهذا متى لم تسلّموه ، وزعمتم أنّ بين كلامهم قبل التّحدّي وبعده هذا الفرق العظيم ، وأحلتم بمعرفته على غيركم أو ادّعيتموها لأنفسكم ، طرّقتم على دليلكم الّذي قدّمتموه ما يهدمه ؛ لأنّه معقود بهذا المعنى ومبنيّ عليه . وإن كانت دواعيهم التي صرفت عن المعارضة ، فذلك فاسد من وجوه : أحدها : إنّا نعلم - نحن وكلّ أحد - توفّر دواعي القوم « 1 » إلى المعارضة وشدّة حرصهم وكلبهم « 2 » عليها . ولو كانت دواعيهم إلى المعارضة مصروفة لما علم ما ذكرناه منهم . ومنها : أنّ الدّواعي إلى المعارضة ليست أكثر من علمهم بتمكّنهم منها ، وما يعود بها من النّفع ، ويندفع من الضّرر . وكلّ هذا يعلمه القوم ضرورة ، بل العلم به ممّا يعدّ من كمال العقل ؛ فليس يصرفهم عن هذه الدّواعي « 3 » إلّا ما أخرجهم من كمال عقولهم وألحقه بأهل النّقص والجنون ، ولم يكن القوم كذلك . ومنها : أنّ ما صرف عن المعارضة لا بدّ أن يكون صارفا عمّا في معناها ، وعمّا يكون الدّواعي إليه داعيا إليها . وقد علمنا أنّهم لم ينصرفوا عن السّبّ والهجاء وعن المعارضة ، ممّا لا يشتبه على عاقل جهل من عارض بمثله وسخفه ،

--> ( 1 ) يقصد بهم كفّار قريش والمشركين في جزيرة العرب ، الذين كانوا يعارضون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، ويناوءون دعوته بشتّى الوسائل . ( 2 ) يقال : رجل كلب ، إذا اشتدّ حرصه على الشيء . ( 3 ) في الأصل : الدعاوى ، وما أثبتناه مناسب للسياق .